أحمد زكي صفوت
51
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
وإن أطعم أكلة عدّها غنيمة ، تنطق بذلك أشعارهم ، وتفتخر بذلك رجالهم ، ما خلا هذه التنوخيّة التي أسس جدّى اجتماعها ، وشدّ مملكتها ، ومنعها من عدوّها ، فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا ، وإن لها مع ذلك آثارا ولبوسا « 1 » ، وقرى وحصونا ، وأمورا تشبه بعض أمور الناس - يعنى اليمن - ثمّ لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذّلة والقلّة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس ، قال النعمان : أصلح اللّه الملك . حقّ « 2 » لأمة الملك منها أن يسمو فضلها ، ويعظم خطبها ، وتعلو درجتها ، إلا أن عندي جوابا في كلّ ما نطق به الملك ، في غير ردّ عليه ، ولا تكذيب له ، فإن أمّننى من غضبه نطقت به ، قال كسرى : قل فأنت آمن . 31 - خطبة النعمان بن المنذر قال النعمان : أما أمّتك أيها الملك ، فليست تنازع في الفضل ، لموضعها الذي هي به : من عقولها وأحلامها ، وبسطة محلها ، وبحبوحة عزّها ، وما أكرمها اللّه به من ولاية آبائك وولايتك . وأما الأمم التي ذكرت ، فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها . قال كسرى بما ذا ؟ قال النعمان : بعزّها ، ومنعتها ، وحسن وجوهها ، وبأسها ، وسخائها ، وحكمة ألسنتها ، وشدة عقولها ، وأنفتها ، ووفائها . فأما عزّها ومنعتها ، فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوّخوا البلاد ، ووطّدوا الملك ، وقادوا الجند ، لم يطمع فيهم طامع ، ولم ينلهم نائل ، حصونهم ظهور خيلهم ، ومهادهم الأرض ، وسقوفهم السماء ، وجنّتهم السيوف ، وعدّتهم الصبر ، إذ غيرها من الأمم إنما عزها من الحجارة والطين وجزائر البحور . وأما حسن وجوهها وألوانها ، فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم : من الهند المنحرفة ، والصين المنحفة ، والترك المشوّهة ، والرّوم المقشّرة .
--> ( 1 ) الدروع . ( 2 ) حق لك أن تفعل كذا وحققت أن تفعله بمعنى .